أبي الفرج الأصفهاني

273

الأغاني

قال ابن المعتز : وأخبرني عبد الواحد بن إبراهيم بن محمد بن الخصيب ، قال : ذكر يوسف بن إبراهيم المصريّ ، صاحب إبراهيم بن المهدي : أن إبراهيم وجّه به إلى عبد الوهاب بن عليّ ، في حاجة كانت له ، [ قال [ 1 ] ] : فلقيته وانصرفت من عنده ، فلم أخرج من دهليز عبد الوهاب حتى استقبلتني امرأة . فلما نظرت في وجهي سترت وجهها . فأخبرني شاكري [ 2 ] أن المرأة هي أم شارية ، جارية إبراهيم . فبادرت إلى إبراهيم ، وقلت له : أدرك ، فإني رأيت أم شارية في دار عبد الوهاب ، وهي من تعلم ، وما يفجؤك إلا حيلة قد أوقعتها . فقال لي في جواب ذلك : أشهدك أن جاريتي شارية صدقة على ميمونة بنت إبراهيم بن المهدي ، ثم أشهد ابنه هبة اللَّه على مثل ذلك [ 3 ] . وأمرني بالركوب إلى دار ابن أبي دواد ، وإحضار من قدرت عليه من الشهود المعدلين عنده ، فأحضرته أكثر من عشرين شاهدا . وأمر بإخراج شارية ، / فخرجت ، فقال لها : اسفري ، فجزعت من ذلك . فأعلمها أنه إنما أمرها بذلك لخير يريده بها ، ففعلت . فقال لها : تسمّى . فقالت : أنا شارية أمتك . فقال لهم : تأملوا وجهها ، ففعلوا . ثم قال : فإني أشهدكم أنها حرة لوجه اللَّه تعالى ، وأني قد تزوّجتها ، وأصدقتها عشرة آلاف درهم . يا شارية مولاة إبراهيم بن المهديّ ، أرضيت ؟ قالت : نعم يا سيدي قد رضيت ، والحمد للَّه على ما أنعم به عليّ . فأمرها بالدخول ، وأطعم الشهود وطيّبهم وانصرفوا . فما أحسبهم بلغوا دار ابن أبي دواد ، حتى دخل علينا عبد الوهاب بن عليّ ، فأقرأ عمه سلام المعتصم ، ثم قال له : يقول لك أمير المؤمنين : من المفترض عليّ طاعتك ، وصيانتك عن كل ما يعرك [ 4 ] ، إذ كنت عمي ، وصنو أبي ، وقد رفعت إليّ امرأة من قريش قصة ، ذكرت فيها أنها من بني زهرة صليبة [ 5 ] ، وأنها أم شارية ، واحتجت بأنه لا تكون بنت امرأة من قريش أمة ، فإن كانت هذه المرأة صادقة في أن شارية بنتها ، وأنها من بني زهرة ، فمن المحال أن تكون شارية أمة ؛ والأشبه بك والأصلح إخراج شارية من دارك ، وسترها عند من تثق به من أهلك ، حتى نكشف ما قالت هذه المرأة ؛ فإن ثبت ما قالته أمرت من جعلتها عنده بإطلاقها ، وكان في ذلك الحظ لك في دينك ومروءتك ؛ وإن لم يصح ذلك ، أعيدت الجارية إلى منزلك ، وقد زال عنك القول / الذي لا يليق بك ولا يحسن . فقال له إبراهيم : فديتك يا أبا إبراهيم ، هب شارية بنت زهرة بن كلاب ، أتنكر على ابن عباس بن عبد المطلب أن يكون بعلا لها ؟ فقال عبد الوهاب : لا . فقال إبراهيم : فأبلغ أمير المؤمنين ، أطال اللَّه بقاءه السلامة ، وأخبره أن شارية / حرة ، وأني قد تزوجتها بشهادة جماعة من العدول .

--> [ 1 ] قال : عن « نهاية الأرب » . [ 2 ] الشاكريّ : أحد الجنود الشاكرية ؛ من جند الخلفاء العباسيين . انظر رسالة معاقب الترك وعامة جند الخلافة للجاحظ ص 18 . [ 3 ] كذا في ف . وفي بقية الأصول : ثم أشهد اللَّه أنه على مثل ما أشهدني عليه . [ 4 ] كذا في ف . وفي بعض الأصول : يضرك . وفي « نهاية الأرب » للنويري ( 5 : 81 ) : يسوءك . [ 5 ] صليبة : بتقديم الياء المثناة على الباء ، كذا في ف ، أ . وفي ترجمة أبي تمام ( « الأغاني » طبعة الساسي 15 : 96 ) . وكذلك جاءت في أخبار أبي تمام للصولي ( ص 59 طبعة ترجمة التأليف والترجمة ) . وهي منصوبة إما على أنها صفة لمحذوف ، أي نسبة صليبة ، وهي الخالصة . قال في « أساس البلاغة » : عربي صليب : خالص النسب ، وامرأة صليبة : كريمة المنصب عريقة . وإما على أنها حال من بني زهرة ، وهم فرع من قريش . وفي ج ، م ، س ، ب : صليبة ، بتقديم الموحدة على المثناة ، نسبة إلى الصلب . يريد أن اباءها من بني زهرة أنفسهم ، وليست مولاة لهم ، فكلا اللفظين إذن صحيح .